عبد الوهاب الشعراني
172
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
مات رحمه اللّه تعالى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة رضي اللّه عنه ، ومن كلامه رضي اللّه عنه من استولت عليه نفسه صار أسيرا في حكم الشهوات محصورا في سجن الهوى ، وحرم اللّه على قلبه الفوائد ، فلا يستلذ بكلام اللّه تعالى ولا يستحليه ، وإن قرا كل يوم ختمه لأنه تعالى يقول سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ « 1 » يعنى أحجبهم عن فهمها وعن التلذذ بها وذلك لأنهم تكبروا بأحوال النفس والخلق والدنيا فصرف اللّه عز وجلّ عن قلوبهم فهم مخاطباته ، وسد عليهم طريق فهم كتابه ، وسلبهم الانتفاع بمواعظه ، وحسبهم في سجن عقولهم وآرائهم ، فلا يعرفون طريق الحق ولا يتعرفونه بل ينكرون على أهل الحق ويحرقون كلامهم إلى معان لم يقصدوها وغاب عنهم أن اللّه تعالى ما أعطاهم العلم إلا ليحتقروا نفوسهم ويذلوا للعباد إجلالا لمن هم عبيد له سبحانه وتعالى . وكان رضي اللّه عنه يقول من لم يحكم بينه وبين اللّه التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة فإن من لا تقوى عنده فوجهه مطموس ومن لا مراقبة له فحاله منكوس وكان رضي اللّه عنه يقول قدمت من مكة فبدأت بأبى القاسم الجنيد لئلا يتعنى لي فسلمت عليه ثم مضيت إلى منزلي فلما صليت الصبح فإذا أنا به خلفي في الصف فقلت إنما جئتك أمس لئلا تتعنى لي فقال لي : ذلك فضلك وهذا حقك ، وقال في قوله تعالى كُونُوا رَبَّانِيِّينَ « 2 » أي سامعين من اللّه قائلين باللّه وكان يقول لو رأيت من يهجرنى للّه تعالى لوضعت له خدى ، وكان يقول : من قرأ القرآن بقصد الدرجات في الجنة فقد رضى بالقليل بدلا عن الكثير لأن الجنة مخلوقة والقرآن غير مخلوق ، ومعظم الفائدة في قراءة القرآن إنما هو وجود الرب وفهم خطابه فكيف بمن يطلب بقراءته عرضا من الدنيا ومن فعل ذلك فقد فاته خير القرآن كله . وكان يقول انكسف القمر ليلة الجمعة وأنا في مدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا به أسود مكتوب في وسطه بالنور أنا وحدى فغشى على إلى الصباح وقال في قوله تعالى يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا « 3 » إنما قالت مريم ذلك أن اللّه تعالى أطلعها على أن عيسى عليه السلام سيعبد من دون اللّه فغمها ذلك فقالت يا لَيْتَنِي مِتُّ
--> ( 1 ) سورة الأعراف : آية 146 . ( 2 ) سورة آل عمران : آية 79 . ( 3 ) سورة مريم : آية 23 .